متى يجب على نيابة الأموال العامة رفع الدعوى؟!!
بقلم/ ابتسام أبودنيا
تعد نيابات الأموال العامة في الجمهورية اليمنية الحارس القضائي للمال العام، وتضطلع بمسؤولية عظيمة في مكافحة الفساد والجرائم الماسة بالاقتصاد الوطني.
ومثلما ورد في المذكرة المرفقة، فإن تأخر البت في بلاغ يتعلق بإهدار أموال ضخمة من الوديعة المالية السعودية المحفوظة لدى البنك المركزي اليمني يُثير قلقاً مشروعاً حول مدى فعالية الإجراءات المتخذة، ويضع علامات استفهام أمام أداء الأجهزة المعنية بإنفاذ القانون.
إنّ القانون اليمني يلزم النيابة العامة، ومن ضمنها نيابات الأموال العامة، باتخاذ إجراءات حازمة وفورية بمجرد توفر الأدلة الكافية، خصوصاً في القضايا التي تمس المال العام، والتي لا تسقط بالتقادم بأي حال من الأحوال.
حيث تختص نيابات الأموال العامة بالتحقيق والتصرف ورفع الدعوى ومباشرتها أمام المحاكم في كافة الجرائم الماسة بالمال العام وما في حكمه، وذلك وفقًا لأحكام قانون الإجراءات الجزائية، وقانون مكافحة الفساد رقم (39) لسنة 2006م، وقرارات تنظيم عمل النيابة العامة.
متى يجب على النيابة العامة رفع الدعوى؟
- البلاغ والمعلومات المتوفرة تعتبر كافية للتحرك:
- استناداً إلى البلاغ المقدم، القائم على ثلاثة تقارير منشورة للجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة – وهي جهة رقابية رسمية – فإن النيابة العامة تمتلك بالفعل دلائل إثبات كافية للمضي في التحقيق وربما إصدار قرار الاتهام ورفع الدعوى.
- إن طلب النيابة العامة من الجهاز المركزي تقريراً إضافياً، كما ورد في المذكرة الصادرة بتاريخ (21/8/2025)، يعد إجراءً نظامياً لتحديث البيانات، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتجميد أو التأخير، إذا كانت التقارير السابقة تتضمن وقائع وأرقاماً دامغة.
- واجب النيابة العامة في التحقيق والتصرف:
- وفقاً لقانون الإجراءات الجزائية، فإن النيابة العامة هي الجهة الوحيدة المختصة بالتحقيق في الجرائم، ولها سلطة إصدار قرارات الاتهام ورفع الدعوى إلى المحكمة المختصة.
- وإذا رأت النيابة العامة أن الأدلة كافية، يتعين عليها الإحالة إلى محكمة الأموال العامة دون إبطاء.
السندات القانونية التي تُلزم النيابة العامة بالبت السريع
أ – اختصاص نيابة الأموال العامة:
تنص قرارات النائب العام المنظمة لعمل نيابات الأموال العامة على أن اختصاصها يشمل:”كافة الجرائم الماسة بالمال العام وما في حكمه قرار النائب العام رقم (158) لسنة 1992م وتعديلاته.
كما تشمل الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الفساد المادة (1) من القرار.
ب – عدم سقوط الدعاوى بالتقادم:
تنص المادة (39) من قانون مكافحة الفساد رقم (39) لسنة 2006م على ما يلي:
لا تسقط بالتقادم الآتي:
1- الدعاوى المتعلقة بجرائم الفساد.
2- العقوبات المحكوم بها والمترتبة على جرائم الفساد.
3- دعاوى الاسترداد والتعويض المتعلقة بجرائم الفساد.
وهذا النص يحمل رسالة واضحة) لا مبرر لتأجيل الملاحقة أو التراخي في إنفاذ القانون.(
ج – حق الشاكي في المتابعة:
رغم أن النيابة العامة تملك الاختصاص الحصري في التحقيق، إلا أن للشاكي حقاً قانونياً في متابعة بلاغه والمطالبة بالإجراءات النظامية، خاصة إذا طالت المدة دون مبرر.
الإجراءات القانونية الواجبة على المحامي العام اتخاذها
في ضوء المذكرة المرفقة، وبعد مرور فترة طويلة على طلب تقرير جديد من الجهاز المركزي، فإن القانون يفرض على المحامي العام لنيابات الأموال العامة إذا لم يكن الجهاز المركزي قد وافاه بالتقرير المطلوب ما يلي:
- الاستغناء عن التقرير الإضافي إذا كانت التقارير السابقة كافية:
فالتقارير الثلاثة المنشورة للجهاز المركزي تضمنت تفاصيل دقيقة عن الوقائع والمبالغ، وتُعد أدلة إثبات قائمة بذاتها، تكفي لاتخاذ قرار الاتهام دون انتظار تقرير جديد. - استدعاء المتهمين والتحقيق معهم فورًا:
بمجرد توافر القرائن القوية، يتوجب إصدار أوامر حضور أو إحضار، وبدء التحقيقات والاستجوابات دون تأخير. - تكوين ملف القضية ورفع الدعوى:
متى ما اكتملت الأدلة، يجب إحالة القضية إلى محكمة الأموال العامة مع قرار الاتهام، لبدء المحاكمة العلنية واسترداد الأموال المنهوبة. - اتخاذ الإجراءات التحفظية العاجلة:
ومنها المنع من السفر والحجز التحفظي على الأموال والعقارات محل الاشتباه، ضماناً لعدم تهريب الأموال أو التصرف فيها بطرق غير مشروعة ووفقاً لتوجيهات رئيس الجمهورية الصادرة في يناير 2025.
المرفقات التي لا تحتمل التأجيل
أُرفقت مع هذا المقال صورتان من تقريرين صادرين عن الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة حول الفترة نفسها، تؤكدان بوضوح وقوع عمليات فساد مالي جسيمة تتعلق بإهدار واستخدام غير مشروع لمبالغ ضخمة من الوديعة المالية بالبنك المركزي اليمني.
وهذه الوثائق كفيلة قانونياً ببدء التحقيق الفوري، فماذا ينتظر المحامي العام للبت في القضية؟
إن التأجيل أو الانتظار لمزيد من التقارير لا يعدو أن يكون تعطيلاً لمسار العدالة، بينما الواجب القانوني والأخلاقي يفرض التحرك العاجل لاسترداد الأموال العامة ومساءلة المتورطين.
إنّ إنفاذ القانون لا يُقاس بالنوايا، بل بالفعل. والتباطؤ في قضايا الفساد يفتح الباب أمام ضياع الحقوق العامة وتقويض الثقة في مؤسسات العدالة.
لقد حان الوقت لأن تتحرك نيابة الأموال العامة بجدية ومسؤولية تجاه هذه القضية وغيرها من قضايا المال العام، حفاظًا على هيبة الدولة ومصالح الشعب.

