الاستاذ العزيز ماجد المذحجي رئيس مركز صنعاء للدراسات والبحوث
لقد تابعت البودكاست الذي أُجري معك مؤخراً على اليمن بودكاست باهتمام، ويسعدني أن أشاركك بعض الملاحظات الصريحة على ما ورد فيه، وآمل ألا يزعجك نقدي. أؤكد لك أنه لا توجد لدي أي مصلحة شخصية، بل ينبع نقدي من حرصي على الحقيقة ومعرفتي بتفاصيل الأحداث التي عايشتها عن كثب.
لقد أثار دهشتي واستغرابي الشديدين طرحك الذي قدمته حول جماعة الحوثي. وأجد صعوبة بالغة في فهم كيف يمكن لرئيس مركز صنعاء للدراسات والبحوث، الذي يفترض أن يكون منارةً للمعرفة ومصدراً موثوقاً للمعلومات حول الحركات السياسية في اليمن، أن يغفل أو يتجاهل نقاط محورية وأساسية شكلت منعطفات حاسمة في تاريخ المذهب الزيدي واليمن ككل.
عزيزي ما سأذكره هنا ليس سرديات تاريخية عابرة، بل وقائع معاصرة عايشناها جميعاً. واسمح لي أن أسرد عليك ملاحظاتي:
١- الدعم للحوثيين والجذور العقدية:
ذكرت في حديثك دعمكم اللامحدود للحوثيين منذ بداية ظهورهم وزياراتكم المتكررة لصعدة، ثم ادعيت أنك لم تكن تعرف منهج الحوثي وعقيدته. اسمح لي هنا أن أقول لك وبصراحة، إن صح قولك هذا، فأنت لا تصلح حتى لأن تكون مجرد منسق ينظم مواعيد لمركز بحجم مركز صنعاء، فما بالك بأن تكون رئيساً له.
عزيزي دعنا من الملازم التي وصفتها بالبدائية لحسين الحوثي. سؤالي لك، خاصة وأنك ذكرت أن والدك حذرك منهم، ألم تقرأ يوماً كتاباً واحداً من كتب الشيعة؟!
ألم تتحدث يوماً مع أحدهم عن فكرة التميز والاصطفاء الإلهي، وهي فكرة ليست وليدة اللحظة، بل يعتقدون بها منذ 1200 سنة، ولا ينكرونها حتى في أحاديثهم العامة مع أي شخص؟!
كيف أغفلت الجانب العقدي الجوهري للحوثيين المرتبط بإيران؟!
إن علاقتهم بطهران، وأنت تعلم هذا جيداً، تتجاوز مجرد المصالح السياسية أو الاقتصادية؛ إنها علاقة عقدية راسخة ومتجذرة في المذهب الشيعي الاثني عشري المتطرف.
كيف تناسيت أن المتحدث الرسمي باسم الجماعة، محمد عبدالسلام، يردد ليل نهار علانية عقيدة العودة إلى (أولاد فاطمة)، وهي دعوة ليست غريبة عن الفكر الاثني عشري في إيران؟!
أنا، وأنا مجرد نصف متعلمة ومفسبكة وهاشمية، لطالما حذرت منهم. أتذكر جيداً في عام 2002 حادثةً طريفةً؛ وقتها كان مندوبو الحوثي يذهبون إلى قرى محافظة حجة، وبالذات مديرية مبين، ويستهدفون الأسر التي تضررت من ثورة سبتمبر 1962. كانوا يستقطبونهم ويضحكون على العامة بخرافات غبية، على سبيل المثال، كانوا يوهمون النساء أن وضع قفل عادي يُشترى من السوق ويُربط بخيط سميك على البطن يمنع الحمل. والمضحك أن كل النساء اللواتي صدقن ووضعن الأقفال على بطونهن لم يمنع القفل الحمل!!!
وبعد الحمل والولادة مباشرةً، كن يأتين إلى صنعاء لإجراء عمليات ربط رحم لدى المرحوم والد أبنائي الذي كان طبيباً جراحاً. وقتها، كانت إحدى قريباته في بيتي بعد العملية، وأتت لزيارتها قريبات لها وأخذن يمجدن أصحاب صعدة. قلت لهن وقتها: كذب هؤلاء الدجالون، لم ينفعكن دجلهم ولم ينفع إلا طب وعلم النصارى. صدقوني سيأتي يوم تقوم حرب أهلية طائفية في اليمن من تحت رأس هؤلاء الدجالين أصحاب صعدة. وصدق حدسي ولم يمر إلا سنتان فقط، وبدأت بشائر الحرب، وها نحن نعاني منهم إلى الآن. فكيف أنت وقد ذهبت إلى صعدة وجالست القيادات الكبيرة ولم تعرف منهجهم الحقيقي؟! هذه مغالطات لا تنطلي على أحد ولا يصدقها منطق يا عزيزي.
أين تحليلكم لواقعة استيلاء حسين الحوثي على حركة الشباب المؤمن؟! هذه الحركة التي تأسست أصلاً لإحياء المذهب الزيدي المعتدل، فقام حسين الحوثي بالاستيلاء عليها وحرفها عن مسارها الأصلي وربطها بشكل وثيق بالشيعة الاثني عشرية المتطرفة في إيران. مؤسس حركة الشباب المؤمن، الأستاذ محمد عزّان، لا يزال حياً يرزق، وهو شاهد حي على ذاك الانحراف الصارخ. ذاك الانحراف الذي بموجبه دخل حسين الحوثي بصراع مع كبار مرجعيات المذهب الزيدي، وعلى رأسهم المرجعية الكبير بدر الدين المؤيدي. كيف يمكن تجاهل كل هذا التاريخ الحافل بالانحراف والتحول الجذري؟!
2- ميناء الحديدة والضغط الدولي:
في حديثك عن ميناء الحديدة وأهميته، ادعيت أن ولي العهد السعودي هو من ضغط على الرئيس هادي لتوقيع اتفاق ستوكهولم. وهذا غير صحيح. وأذكرك هنا بكلام الشيخ سلطان البركاني رئيس مجلس النواب حين أكد أن من مارس الضغط على هادي والسعودية معاً هو السفير البريطاني. وأزيدك من الشعر بيتاً؛ أنا بنفسي في عام 2020 تحدثت مع السفير البريطاني الأسبق في اليمن وقلت له، ضغطتم على الحكومة من أجل توقيع الاتفاق، لكن أنتم وبصفتكم الدولة حاملة القلم اليمني في مجلس الأمن، ما هي أوراق الضغط التي تمتلكونها ضد الحوثي لتجبروه على تنفيذ الاتفاق والخضوع للسلام؟! قال بالحرف الواحد (لا يوجد) قلت له إذاً لماذا تتدخلون؟! قال لي الحرب يجب أن تنتهي وليس معنا عصا سحرية، الحل بأيدي اليمنيين ويجب أن يقدموا تنازلات. قلت له افرض هذا على الحوثي، لماذا لا تفرضوه؟! أجاب لا نستطيع فرض شيء على أحد.
وبحسب علمي، أنكم طالما عملتم مع هؤلاء السفراء وغيرهم، وتقدمون لهم رؤى واقتراحات ويسمعون منكم. وعلى هذا الأساس يقدمون لكم الدعم المالي اللامحدود، لأنهم معجبون بأفكاركم ودراساتكم وتحليلاتكم.
واتذكر جيداً انكم لطالما سوقتم لاتفاق ستوكهولم، واعتبرتموه نصراً للإنسانية، ولعشرين مليون يمني، تحت يافطة السلام والإنسانية، ودغدغت مشاعر العامة، وطوال الوقت كنتم تشككون في الدور السعودي، وصورتموه انه هو المشكلة وهو المعرقل للسلام .
3- الدعم المالي السعودي للحكومة اليمنية الشرعية:
عزيزي ماجد ذكرت أيضاً أن السعودية، كما تعطي الحكومة الشرعية منحاً لتغطية التزاماتها، تدفع مثلها للحوثي، وهذا غير صحيح وتحليل غير دقيق لا يصدر من شخصية مثلك، بل وادعيت أن كل ما ذكرته هو معلومات. وأحب أن أصحح لك معلوماتك إن كان فعلاً كلامك كما ادعيت بناءاً على معلومات. ولكن من وجهة نظري، ومن خلال حديثك، أستشف أنك حاولت تبييض صفحتك وصفحة مركز صنعاء بعد جرائمكم النكراء ومغالطاتكم وتسويقكم اللامحدود للحوثي لدى الغرب الذي تفاجأ، بعد كل ما قدمتموه من دراسات وأبحاث مغلوطة، أنكم كنتم تغالطون العالم وتبيعون لهم الوهم. وفي أول اختبار حقيقي للحوثيين، رسبوا وذهبوا إلى إيران وقاموا بأعمال قرصنة في البحر الأحمر، خدمةً لإيران وتنفيذاً لأجنداتها، وصواريخهم الإيرانية وصلت تل أبيب.
4- تضليل المظلومية ودوركم في تمكين الحوثي:
لقد شاركتم بشكل مباشر، في تسويق المظلومية المزعومة للحوثيين وشيطنة الرئيس السابق علي عبد الله صالح طوال الوقت، وظللتم طوال الوقت تقنعون الناس بتلك السردية الزائفة. أتذكر ما كتبه علي البخيتي في عام 2015، عن أن الحوثيين (الهاشميين) انتهجوا العنف بسبب الظلم الذي مارسه الجمهوريون عليهم وإقصائهم من الوظائف العامة للدولة. يومها رددت عليه بمقال فندت فيه أكاذيبه، وكشفت كيف تقلد العديد من الهاشميين مناصباً عليا في الدولة، من وزراء وسفراء ومحافظين. بل إن مناصباً معينة ظلت حكراً على الأسر الهاشمية، كمفتي الديار اليمنية الذي بقي حكراً عليهم حتى عام 2009، والأمانة العامة لرئاسة الوزراء التي ظلت في يد بيت المختار الهاشميين حتى يومنا هذا في صنعاء. هذه حقائق لا يمكن إنكارها.
ومع هذا فلا مبرر لفكرة المظلومية الكاذبة التي روجتم لها، ولا يبرر دوركم في تمكين الحوثيين من السيطرة على التعاطف الشعبي بالتضليل.
ولا أدري لماذا ما زلتم تمارسون هذا الدور وتحاولون تزييف الحقائق.!!
5- المسيرة القرآنية وتناقضات الحوار الوطني:
اتعجب كيف اغفلت حقيقة تسمية الحوثيين بـالمسيرة القرآنية؟!
ومن أين جاءت هذه التسمية وما هي أبعادها الحقيقية؟!
كيف تناسيتم تشكيل مكتبهم السياسي بعد صراعات داخلية عنيفة، بعد ان فشلوا في تأسيس حزب الفضيلة، لأنهم عجزوا عن تشكيل مجلس شورى للحزب، وتراجعوا عن تشكيله بعد ان كان قد اعلنت الاسماء، ليشاركوا في مؤتمر الحوار الوطني الذي جاء أساساً وفق المبادرة الخليجية، وهم بالأصل قد رفضوها جملة وتفصيلاً؟! هذه تناقضات واضحة كان يجب أن تكون في صميم تحليلاتكم.
6- عائلة المداني ودورها الأمني:
في حديثك تكلمت عن مركزية أسرة المداني وهو حديث مثير للسخرية. فعائلة المداني، في الحقيقة، ليست سوى شركة أمنية بيد الحوثيين، مهمتها الأساسية هي الإمساك بتلابيب الأمن لتأمين أسرة الحوثي والعجري والعزي والعماد وفليتة والرزامي وهبرة. يقاتل أبناء المداني ويموتون من اجل ان يحيا غيرهم، وان كان يوسف المداني مؤخراً قد تزوج بنت حسين الحوثي، وحتى وإن كانت زوجة عبدالملك الحوثي نفسه مدانية، فهم بالنسبة للحوثيين صف ثاني، يؤكد كلامي بوضوح من حضر الاجتماع مع مهدي المشاط عندما زار السفير السعودي صنعاء في أبريل 2023؛ الصور لا تزال موجودة وتؤكد كلامي، وإن حضر جلال الرويشان، فحضوره كان فقط بصفته صهر بيت العماد، في محاولة بائسة للتغطية على عصريتهم أمام قبائل خولان.
7- اغتيال القيادات الهاشمية:
اولاً: قل لي كيف نسيت أو تناسيت اسم اللواء حسين العمري، الذي هو أشهر من نار على علم؟!
ثانياً: أشرت إلى مقتل بعض قيادات الحركة، كالدكتور أحمد شرف الدين والخيواني ومحمد عبد الملك المتوكل وحسن زيد وغيرهم من الهاشميين الذين لا يرتبطون بإيران عقدياً، جاءت متحفظة ومبهمة عندما قلت بغض النظر عمن قتله، في معرض حديثك عن الدكتور احمد شرف الدين، والحقيقة أنك تعلم علم اليقين أن من أمر بقتله هو عبد الملك الحوثي شخصياً.
لقد رأى فيه وفي غيره من الهاشميين المتعلمين خطراً عليه بسبب الفارق التعليمي والثقافي الكبير بينهم وبينه. لإن هؤلاء الهاشميين، المعروفين بـ(هواشم الطيرمانة)، كانوا براغماتيين عاصروا الجمهورية وتكيفوا معها، وكان لهم تأثيراً واسع في الوسط الهاشمي والاوساط الاجتماعية اليمنية المختلفة. وكان بإمكانهم إقصاء جماعة صعدة (هواشم الجرف) والسيطرة على الدولة بمفاهيم المواطنة المتساوية وفق اسس دستورية وقانونية، بعيدة عن فكرة التفوق العرقي وان كانوا هم ايضاً مؤمنين بها، لكنهم كانوا متعلمين ومثقفين ورجال دولة حقيقيين، وليسوا عصابة متخلفة انتهازية وصولية اصولية جداً كجماعة صعدة التي كنتم تروجون لها.
8- بيان علماء الزيدية ووثيقة الزيدية الكبرى:
عزيزي لقد أغفلت عن عمد نقطة جوهرية تتعلق بقمع الحوثيين للمخالفين لهم داخل المذهب الزيدي نفسه. إذ تجاهلت بيان علماء الزيدية في عام 2006 الذي تبرأوا فيه من جماعة الحوثي ومن أفكارهم؟!
وهذه حادثة تاريخية مهمة، كما أغفلت كيف قام الحوثيون خلال مشاركتهم في مؤتمر الحوار الوطني، وفي ظل ضعف قوة الدولة والسطيرة عليهم وعلى عجرافتهم، بجمع هؤلاء العلماء وإجبارهم على توقيع وثيقة الزيدية الكبرى عام 2013ومقتل المحطوري الذي اعترض ورفض التوقيع عليها؟!
هذه الوثيقة لم تكن سوى أداة لتمكين عبد الملك الحوثي وحده من قيادة الحركة الحوثية والسيطرة عليها، مجبرين بذلك علماء الزيدية على التخلي عن مواقفهم السابقة والاعتراف بشرعيه مزعومة للحوثي وعصابته المسماة مسيرة قرآنية.
9- نشأة الحوثيين:
عزيزي لقد تجاهلت عن عن عمد مرحلة التأسيس للحركة بتمويل إيراني.
فهل يعقل أنك حقيقةً لا تدرك مرحلة النشأة الأولى للحوثيين، أو ما أسميتها أنت المرحلة الجنينية؟!
فأنت لم تذكر الفكر الزيدي الحركي الذي بموجبه تأسست المراكز الحوثية تحت ستارة الزيدية، ومنها مركز الإمام زيد في صنعاء الذي ضمت وحدها 28 مركزاً للحركة، وكان يتم ذلك بتمويل عالٍ جداً من إيران.
عزيزي إن مركزاً للإنتاج المعرفي، كمركز صنعاء للدراسات والبحوث، خاصة عند الحديث عن النشأة السياسية للحوثي، يجب أن يكون دقيقاً وشاملاً. إني أرى أنكم، وبأدواركم التي لم أجد لها مبرراً حتى الآن، تخدمون الحوثي إلى هذه اللحظة، وتجعلونه يسيطر على التعاطف الشعبي بالتضليل، ولا أدري لماذا ما زلتم تمارسون هذا الدور!!!
ختاماً باعتقادي أن كل ما سبق وغيره، يمكن انه قد دفع الجهات المانحة إلى إيقاف الدعم عن المركز، ويتضح هذا من خلال تأجيلكم لعقد مؤتمركم السنوي إلى فبراير 2025 بتمويل كامل من سلطنة عمان. والآن أنت تحاول تبرير أخطائك أنت وفريقك، في محاولة لاسترجاع الدعم والمكانة. ولكن ما قدمته من أعذارٍ واهية غير مقبول، إلا إذا كان الأوروبيون أغبياء ويصدقونكم، فهذا شيء آخر.
أرجو أن تتقبل نقدي هذا مع خالص احترامي وتقديري.
ابتسام أبو دنيا